الشيخ محمد رشيد رضا

476

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ومن تأمل هذا من أهل عصرنا تظهر له دقة افهام هؤلاء المتكلمين الذين صوروا الشبهة بنحو مما يؤخذ من أحدث ما ره علماء هذا العصر في علم الكيمياء وغيره وأجابوا عنها بما يغني عن جواب آخر ، وما قاله الفارابي وأمثاله فهو كأكثر فلسفتهم فيما وراء الطبيعة جهل بحقيقة الانسان ، وضلال في تأويل الأديان ، فالانسان روح وجسد ، وكماله بحصول لذاته الروحية والجسدية جميعا ولا تنافي بينهما ، ولو كان روحانيا محضا لكان ملكا أو شيطانا ولم يكن إنسانا وقد سبق لنا بيان هذه الحقيقة مرارا وأما القول بالاجزاء الأصلية والاجزاء الفضلية فهو لا يدفع الشبهة ، ولا تقوم به حجة ، وتفسير الأجزاء الأصلية بالذر أو ما يشبهه الذي ورد أن اللّه تعالى جعله في صلب آدم وأخذ عليه الميثاق فهو غير ظاهر في هذا المقام إذ لا يصح أن تكون هذه الجراثيم المشبهة بالذر من أجزاء الجسد الظاهرة التي يعنيها من يقولون بحشر هذه الأجساد بأعيانها ولكن لهذه المسألة وجها آخر من النظر العلمي وهو هل خلق اللّه للبشر في التكوين الأول جراثيم حية تتسلسل في سلائلهم التناسلية ، فان مسألة أصول الاحياء كلها من أخفى مسائل الخلق ، والقاعدة المبنية على التجارب والمباحث الكثيرة أن كل حي يوجد في الأرض في حالها هذه فهو من أصل حي كما تقدم ، وأن كل أصل من جراثيم الاحياء الحيوانية والنباتية يندمج فيه جميع مقوماته ومشخصاته التي يكون عليها إذا قدر له أن يولد وينمي ويكمل خلقه ، فنواة النخلة مشتملة على كل خواص النخلة التي تنبت منها حتى لون بسرها وشكله ودرجة حلاوته عندما يصير رطبا فتمرا ، ولا يعلم أحد من البشر كيف وجدت هذه الأصول والجراثيم في التكوين الأول ، سواء منهم القائلون بخلق الأنواع دفعة واحدة والقائلون بالخلق التدريجي على قاعدة النشوء والارتقاء ، الا أن لهؤلاء نظرية في تصوير التكوين الأول من مادة زلالية مكونة من عناصر مختلفة لها قوى التغذي والانقسام والتوالد في وقت كانت طبيعة الأرض فيها غير طبيعتها في هذا الزمن وما يشبهه منذ ألوف الألوف من السنين ، ولكن كيف صار لما لا يحصى من أنواع النبات والحيوان الدنيا والوسطى والعليا جراثيم مشتملة على ما أشرنا اليه من الخواص والاسرار لا تتولد الا منها ؟ انهم ليسوا على علم صحيح بهذا ولا بما قبله